Creative Commons License
This work is under licensed





Lost Password?
No account yet? Register
Bukti Pengumpulan Al-Quran (Arab)

 

الأدلة على كتابة القرآن الكريم في العهد المكي


المبحث الأول : الجمع النبوي للقرآن

المبحث الثاني : الأدلة من القرآن المكي

المبحث الثالث : الأدلة من الحديث والسيرة النبوية

 

 

المبحث الأول : الجمع النبوي للقرآن

 

حقيقة الجمع النبوي للقرآن

نزل القرآن الكريم على الرسول  صلى الله عليه وسلم   منجماً طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، وفي تنجيمه حِكَمٌ كثيرة هي ليست محل البحث هنا.

وخلال فترة النزول القرآني كانت عملية جمعه تتم بموازاة نزوله، لا تتأخر عنه في شيء، حتى إذا انتهى النزول كان القرآن مجموعاً مكتمل الجمع بمعان عدة لهذا الجمع، تشمل الجمع في الصدور والكتابة في الصحف والترتيب في الآيات والسور.

وعليه، فإن عملية جمع القرآن الكريم أو حفظه سواء كان في مكة أو المدينة كانت تتم بطريقتين كل واحدة منهما كفيلة بحفظ القرآن لو انفردت فكيف بهما وقد اجتمعتا، وهو ما لم يتوفر لكتاب من الكتب وعلى مر التاريخ البشري، يقول الإمام الرازي في هذا الصدد : >واعلم أنه لم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الحفظ، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير، إما في الكثير منه أو القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التحريف مع أن دواعي الملاحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات.

ويظهر هذا في أشهر اسمين للقرآن الكريم وهما : القرآن والكتاب. ويتبين من الاسمين ـ القرآن والكتاب ـ أن كلاً منها يقصد به الجمع، أي جمع بعض الأشياء إلى بعض.

فالقراءة : عبارة عن جمع الحروف في الفم ثم النطق بها، وهو ما يسمى بالجمع الصوتي للقرآن الكريم. والكتاب كما سيظهر عن قريب عبارة عن جمع الحروف والكلمات في السطور. يقول الإمام ابن قتيبة : وأصل القراءة : جمع بعض الحروف إلى بعض. وإنما سمي القرآن قرآناً لاجتماع بعض سوره إلى بعض. قال تعالى : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ }. أي : إذا جمعناه، فاتبع جمعه. ويقال : إذا ألَّفناه.

يقول دراز : روعي في تسمية ـ القرآن ـ قرآناً كونه متلواً بالألسن، كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوناً بالأقلام... وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعاً، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى. فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، والمنقول إلينا جيلاً بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة. ولا ثقة بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.

وفي تسميته بالكتاب إشارة إلى جمعه في السطور، لأن الكتابة جمع للحروف ورسم للألفاظ ... وسمي هذا الوحي بالكتاب وبالقرآن لامتياز الوحي المحمدي في مراحله كلها بهذه العناية المزدوجة في صيانة نصوصه وحفظ تعاليمه منقوشة في السطور، مجموعة من الصدور.

{mospagebreak

ومعلوم أن الجمع في لغة العرب يطلق ويراد من بين دلالته الحفظ والاستظهار في الصدور. وقد يطلق ويراد منه الكتابة والتسجيل في الكتب. فكلمة جمع القرآن تطلق تارةً ويراد منها حفظه واستظهاره في الصدور. وتطلق تارةً أخرى ويراد منها كتابته كله حروفاً وكلمات وآيات وسوراً. هذا جمع في الصحائف والسطور وذاك جمع في القلوب والصدور.

وقال الزركشي : >فإن معاني جمع القرآن تتلخص في أربعة : الحفظ في الصدور ـ الكتابة في الصحف المتفرقة ـ الترتيب للآيات والسور ـ الجمع في مصحف واحد.

وكتابة القرآن في الصحف والسطور مرت بثلاثة أطوار وهي :

كتابته في عصر النبي  صلى الله عليه وسلم   ـ وهو ما سيدور البحث حوله ـ. وكتابته في عصر أبي بكر رضي اللّه عنه. وكتابته في عصر عثمان رضي اللّه عنه.

لذا يود الباحث أن يشير إلى الوسيلة الثانية التي تم بها حفظ القرآن الكريم من التحريف أو التبديل أو الضياع أو الفقدان وهي الجمع الكتابي. والدراسة هذه مخصصة في أخذ مرحلة زمنية محدودة، وهي كتابة النص القرآني في العهد المكي فقط، لأن كتابة القرآن في المدينة أصبحت من الأمور الواضحة التي لا تحتاج إلى الدراسة والبحث، نظراً للأدلة الصريحة التي وردت في ذلك، ولكثرة ما كتب فيه. ويحبذ الباحث قبل الدخول في الموضوع أن يشير وبإيجاز شديد إلى الوسيلة الأولى لحفظ القرآن ألا وهي الجمع الحفظي، التي اعتاد الباحثون المسلمون على تسميتها بالوسيلة الأولى والأساسية في حفظ القرآن الكريم من التحريف. ويناقض أكثر الذين يذهبون هذا المذهب أنفسهم عند الحديث عن جمع أبي بكر للقرآن الكريم بأنه لم يقبل إلا ما توافر فيه الحفظ والكتابة معاً فلو كانت الكتابة وسيلة ثانوية لما اشترط لقبول قرآنية القرآن توفر الحفظ والكتابة، أو الشاهدين يشهدان على أن المكتوب كتب بين يدي النبي !، وعليه فالأولى أن يقال إن الحفظ والكتابة كانتا وسيلتين أساسيتين في حفظ القرآن الكريم، وأن النبي  صلى الله عليه وسلم   قد توفي والقرآن كله مجموع في الصدوروالسطور.

الجمع الحفظي

وهو عبارة عن حفظ النص عن ظهر قلب، وهو من خصائص هذه الأمة، وظاهرة مستمرة إلى يوم القيامة، وفيها تحقيق لوعد اللّه عز وجل : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإَنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }.

وسَيد مَنْ حفظ القرآن الكريم الرسول الأمين  صلى الله عليه وسلم   فقد كان مولعاً بالحفظ والتلاوة لما يسمع من جبريل وما يوحي إليه حتى طمأنه الباري بقوله : { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى }. وقد حفظ القرآن من الصحابة عدد كثير، ويظهر ذلك جلياً مما تواتر نقله أنه قد استشهد أكثر من سبعين منهم في بئر معونة فقط، وكذا في معركة اليمامة. والحديث عن الجمع الحفظي قد أُشبع بحثاً، فعليه لا يحتاج إلى تكرار ما قد قاله الآخرون في هذا المجال.

الجمع الكتابي

الكتابة في اللغة : مصدر كتب، يقال : كَتب يكتُب كَتْبا وكتاباً وكِتابةً ومَكتَبة وكِتْبة فهو كاتب ومعناها الجمع، يقال : تكتَّبت القوم إذا اجتمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل كَتِيبة، ومن ثَمَّ الخط كتابة لجمع الحروف بعضها إلى بعض كما سمِّي خَرْز القربة كتابةً لضم بعض الخُرَز إلى بعض.

وقد اتخذ النبي  صلى الله عليه وسلم   كُتَّاباً  للقرآن الكريم كان يأمرهم بكتابة ما ينزل من القرآن الكريم حال نزوله لا يتأخرون عنه، وليس في ثبوت هذه الحقيقة من اتخاذه كتاباً يكتبون القرآن أدنى شك ولا خلاف، والروايات التي سبقت في إثباتها بلغت مبلغ التواتر المفيد للقطع. قال الزركشي : >كان النبي  صلى الله عليه وسلم   كلما أنزل عليه شيء من القرآن أمر بكتابته ويقول في مفترقات الآيات : ضعوا هذه في موضع كذا.

وقد كان من بين الكُتّاب الذين يستكتبهم النبي  صلى الله عليه وسلم   كثيراً، الخلفاء الأربعة، وعامر بن فهيرة وخالد بن سعيد وعبد اللّه بن أبي سرح وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وخالد بن الوليد ومعاوية وثابت بن قيس ... إلخ.

وكان أكثرهم من المكيين. ولا شك أن أغلبهم كان من السابقين إلى الإسلام. وغالب الظن أن هذا الإحصاء لم يشمل كل من انتدب لكتابة الوحي فيكون العدد أكثر من ذلك. وعلى أية حال فإن هذا العدد نفسه يدل على أن كتابة القرآن الكريم باستكتاب النبي  صلى الله عليه وسلم   لم تكن أمراً عارضاً، وإنما هي عمل أساسي من أعمال الدعوة قد خصصت له مؤسسة تقوم عليه هي مؤسسة كتاب الوحي.

وإذا رجعنا إلى الكتب التي تتحدث عن كتابة القرآن الكريم في عهد النبي  صلى الله عليه وسلم   نجد أنهم يطلقون القول أو العبارة (كتابة الوحي في العهد النبوي) ولا يقسمون ذلك إلى العهد المكي والعهد المدني سواء كُتُب المتقدمين أم المتأخرين، مما يدل على أن كتابة القرآن كانت قد غطت مراحل النزول كلها مكيها ومدنيها، خلافاً لما انتهى إليه بلاشير ودائرة المعارف الإسلامية وبعض الباحثين المسلمين، من أن المرحلة المكية لم يكن القرآن يكتب فيها، وإنما بدأت كتابته في السنوات الأولى من العهد المدني.ولإثبات ما ذكر سابقاً من أن القرآن كان يكتب في جميع مراحل النزول وبالتحديد في العهد المكي، سيقوم الباحث بذكر أدلة من القرآن المكي نفسه تضمنت ألفاظ ملهمة ومثبتة للكتابة، ومن الحديث ومن السيرة النبوية.

{mospagebreak

 

المبحث الثاني : الأدلة من القرآن المكي

إضافةً إلى ماسبق ذكره في الفصل الأول عن حالة الكتابة في مكة، التي أظهرت أن المناخ الثقافي كان مناسباً ومهيئاً لكتابة القرآن الكريم، فإنه وبتصفح بسيط للآيات القرآنية المكية، يجد الباحث أن فيها إشارات كثيرة إلى أدوات الكتابة وما يتعلق بها في مخاطبتها للعرب الذين أُلصقت بهم صفة الجهل بالقراءة والكتابة، مما يدل على أن العرب في ذاك الزمان لم يكونوا على جهل بالكتابة وما يتعلق بها. وعليه ستكون للدراسة وقفة مع الآيات القرآنية المكية ـ المثبتة لألفاظ الكتابة والتدوين ـ وما قيل في تفسيرها من قبل المفسرين واللغويين.

لا يخفى على الناظر في القرآن الكريم ذاك الزخم الهائل من الآيات التي تتضمن متعلقات الكتاب. فقد ورد في القرآن الكريم حوالي ثلاثمائة مرة مادة الكتاب وما اشتق منه. من ذلك وردت مرة في القرآن المكي. مما يدل على أن العرب ولا سيما أهل مكة كانوا على دراية تامة بالكتابة والقراءة، لأنه لا يعقل أن يخاطب القرآن الكريم العرب بألفاظ لا علم ولا معرفة سابقة لهم بها. وعليه فلم يكن هناك مانع يمنع كتابة القرآن المكي النازل، كقلة من يعرف الكتابة وندرة وسائلها وغير ذلك مما قاله بعضهم في معرض كلامهم عن الجمع الحفظي للقرآن الكريم من أن معرفتهم بالكتابة كانت قليلة. فمن تلك الألفاظ بجانب الكتاب ومشتقاته : القراءة، الصحف، الرق، السجل، القرطاس، الزبور، القلم، المداد والخط ... وعليه سيتم اختيار عدد من هذه الألفاظ للبحث والدراسة من خلال تفسير الآيات المتضمنة لها ومنها :

القراءة : وردت لفظة القراءة وما اشتق منها حوالي تسعين مرة في القرآن الكريم. وقد قال سبحانه وتعالى في أول ما نزل من الدستور الإسلامي، مخاطباً رسوله  صلى الله عليه وسلم   : { اقْرَأ باسْم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بالقَلَمِ، عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم }. ولم تأت هذه اللفتة بدون قصد أو اعتباطاً، وإنما جاءت لتنبيه وحث النبي  صلى الله عليه وسلم   على القراءة والكتابة، ويتضح هذا أكثر إذا ما عُرف أن الآيات التي تلت هذه أيضاً كانت متعلقةً بأدوات الكتابة، وأن أول قَسَمٍ أقسم به اللّه سبحانه كان بالقلم : { ن والقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُون}.

أول ما نزل من القرآن هو مطلع سورة العلق، وفيه إشارة إلى القراءة، أو الجمع الصوتي للقرآن، بجمع الحروف في الفم ثم النطق بها. ثم نزل بعد ذلك مطلع سورة القلم، وفيه إشارة إلى كتابة القرآن، وهي جمع حروف وكلمات القرآن، بكتابتها على السطر.

يقول القلقشندي : >أعظم شاهد لجليل قدرها ـ الكتابة ـ، وأقوى دليل على رفعة شأنها، أن اللّه نسب تعليمها إلى نفسه، واعتده من وافر كرمه، وإفضاله فقال عزَّ اسمه : { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بالقَلَمِ، عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم }، مع ما يروى أن هذه الآية والتي قبلها مفتتح الوحي، وأول التنزيل على أشرف نبي، وأكرم مرسل  صلى الله عليه وسلم   وفي ذلك من الاهتمام بشأنها ورفعة محلها ما لا خفاء فيه.

فهناك مناسبة وثيقة بين أول كلمة نزلت من القرآن الكريم وبين القلم والكتابة : >فإن أول كلمة نزلت هي (اقرأ) ومعنى ذلك أن هناك مكتوباً ـ فلم تنزل كلمة (قل) بمعنى أن يردد النبي  صلى الله عليه وسلم   ما يقال له ولكن نزل ـ اقرأ ـ بمعنى أن يقرأ شيئاً مكتوباً. إذن فالكتابة سبقت القراءة. والكتابة بمعناها التدارس والتعلم، لأن القلم لا يقول ولكن يكتب. (فاقرأ)، إذن تتناسب مع القلم، وهما وسيلتا العلم والتعليم. وكان من الآيات الأولى التي نزلت من القرآن الكريم : { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بالقَلَمِ }. فجعل سبحانه مفتاح العلم القلم.

يقول الإمام الزمخشري في تفسير الآية : >فدلَّ على كمال كرمه بأنه علَّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب اللّه المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة اللّه العظيمة ولطيف تدبيره دليل إلا القلم والخط، لكفى به. فقوم يُبتدأ الوحي عندهم بهذا الابتداء؛ لا يعقل أبداً أن يتركوا القلم ويناموا؛ ثم لا ينشط واحد من بينهم فيكتب أو يدون شيئاً.

الصحف : وقد وردت لفظة الصحف في سبعة مواضع من القرآن المكي. منها : في قوله تعالى : { كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ }.

ففي هذه الآيات إشارة واضحة إلى كون القرآن الكريم في صحف. يقول ابن سِيدَه : >والصحيفة : التي يكتب فيها، والجمع صحائف وصُحُف وصُحْفٌ. وفي التنزيل : { إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى }، يعني الكتب المنزَّلة عليهما، عليهما السلام.

والفرق بين الصحف والمصحف كما يقول الحافظ العسقلاني : >أن الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر. وكانت سوراً مفرقةً كل سورة مرتبة بآياتها على حدة لكن لم يرتب بعضها إلى بعض، فلما نسخت ورتب بعضها إلى أثر بعض صارت مصحفاً. وكلمة (صحيفة) لا تدل على الورق الذي نعرفه اليوم، ولكنها على كل حال شيء مبسوط خفيف الحمل يكتب عليه في سهولة(2). وقيل المقصود به هنا القراطيس التي تُكْتَبُ فيها.

يقول الإمام الآلوسي : >(في صحف)، قيل : صحف المسلمين على أنه إخبار بالغيب، فإن القرآن بمكة لم يكن في صحف، وإنما كان متفرقاً في الرقاع والجريد ونحوهما ...

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب ابن منبه : أنهم ـ السفرة ـ أصحاب محمد  صلى الله عليه وسلم  . قيل : لأنهم سفراء ووسائط بينه وبين سائر الأمة وقيل : لأن بعضهم يسفر إلى بعض في الخير والتعلم والتعليم.

يقول الإمام أبو الفرج البغدادي : >وقوله (بأيدي سفرة) فيه قولان، أحدهما أنـهم المـلائكة، قاله الجـمهور. والثاني : أنهم أصحاب محمد  صلى الله عليه وسلم   قاله وهب بن منبه ...

ويقول الإمام الرازي : القول الثاني في تفسير الصحف أنها هي صحف الأنبياء لقوله تعالى : { إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى }، يعني أن هذه التذكرة مثبتة في صحف الأنبياء المتقدمين، والسفرة الكرام البررة هم أصحاب رسول اللّه، وقيل هم القراء.

فـقد أعـلم اللّـه تعـالى فـي القـرآن بأنه مـجموع في الصحف في قوله تعالى : { رَسُولٌ مِنَ اللّه يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرةً }، وكان القرآن مكتوباً في الصحف، لكن كانت مفرقةً فجمعها أبو بكر في مكان واحد.

النبي  صلى الله عليه وسلم   والاستكتاب : ومن الآيات التي تدل وبوضوح على أن القرآن الكريم في مكة كان يكتب في الصحف، وأن المشركين كانوا على علم بتلك الصحف قوله تعالى على لسان المشركين : { وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِيْن اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيْلاً }.

يقول الفيروزآبادي : >ويقال : اكتتب فلان فلاناً : إذا سأله أن يكتب له كتاباً في حاجة، وعليه فسر بعضهم : { أَسَاطِيرُ الأوَّلِيْن اكْتَتَبَهَا } أي استكتبها. وقيل : اكتتبها : أي بمعنى جمعها وسجلها. أو بمعنى انتسخها من غيره.

قال الزمخشري : >والمعنى : اكتتبها كاتب له، لأنه كان أمياً لا يكتب بيده، وذلك من تمام إعجازه ... فإن قلت : كيف قيل : { اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْه }، وإنما يقال أمليت عليه فهو يكتتبها ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما : أراد اكتتابها أو طلبه فهي تملى عليه، أو كتبت له وهو أمي فهي تملى عليه : أي تُلقى عليه من كتابه يتحفظها لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.

يقول أبو السعود العمادي : >والأساطير جمع أساطر أو أسطورة كأحدوثة، وهي ما سطره المتقدمون من الخرافات، اكتتبها، أي : كتبها لنفسه على الإسناد المجازي أو استكتبها، وقرئ على البناء للمفعول، لأنه صلى اللّه عليه وسلم أمي. وأصله : اكتتبها له كاتب فحذف اللام وأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب ثم حذف الفاعل لعدم تعلق الغرض العلمي بخصوصه، وبُنِيَ الفعل للضمير المنفصل فاستتر فيه، فهي تملى عليه، أي تلقى عليه تلك الأساطير بعد اكتتابها ليحفظها من أفواه من يمليها عليه من ذلك المكتتب لكونه أمياً لا يقدر على أن يتلقاها منه بالقراءة أو تملى على الكاتب على أن معنى اكتتبها أراد اكتتابها أو استكتابها ورجع الضمير المجرور إليه  صلى الله عليه وسلم   لإسناده الكتابة في ضمن الاكتتاب إليه  صلى الله عليه وسلم.

والاتهام جاء من قبل المشركين بهذه الصيغة الصريحة من أن هناك ما هو مكتوب يتداوله محمد  صلى الله عليه وسلم   وقد كتب له بناءً على طلبه، فلا بد أن يكون هناك شيء مكتوب حتى يأتي الاتهام بهذا الشكل، لأن النبي  صلى الله عليه وسلم   لو كان يكتفي بقراءة القرآن وتلاوته على  الناس في مكة فقط من غير أن يكون هناك شيء مكتوب لما جاء بهذه الصيغة، فالاتهام إنما هو مستند إلى مشاهدة.

وربما تتضح الصورة أكثر إذا ما عرفنا سبب النزول كما نقلته كتب التفسير والسيرة النبوية. فقد ذهب المفسرون والمؤرخون إلى أن هذه الآية نزلت في بعض مَنْ كان يقول ذلك، مثل : النضر بن الحارث(1)، الذي >كان إذا جلس رسول اللّه  صلى الله عليه وسلم   مجلساً فدعا فيه إلى اللّه، وتلا فيه القرآن، وحذر فيه قريشاً ما أصاب الأمم الخالية ـ خلفه في مجلسه إذا قام، فحدثهم عن رستم السنديد، وعن اسفنديار، وملوك فارس، ثم يقول : واللّه ما محمد بأحسن حديثاً مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين، اكتتبها كما اكتتبتها<. فأنزل اللّه فيه : { وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً }.

طَلَبُ المشركين مكتوباً من السماء : من خلال الآيات القرآنية المكية يتبين أن معرفة أهل مكة بالكتابة والقراءة كانت عميقةً بدليل أنهم طالبوا الرسول  صلى الله عليه وسلم   بآيات ومعجزات تقنعهم بنبوته، ومن هذه الآيات والمعجزات، أن ينزل عليهم كتاباً من السماء يقرؤونه. قال تعالى : { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً. أوْ تَكُوْنَ لَكَ جَنّةٌ مِنْ نَخِيْلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّر الأَنهَارَ خِلالَها تَفْجِيْراً. أوْ تُسْقِطَ عَلينا كسَفاً أو تَأتِيَ باللّه وَالمَلائِكَةِ قَبِِْيلاً. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى ُتُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً}.

حيث إن المشركين طلبوا من الرسول  صلى الله عليه وسلم   أن يرقى في السماء ويأتيهم بكتاب معه أربعة من الملائكة يشهدون للرسول  صلى الله عليه وسلم   أنه صادق فيما يدعيه. فكيف يعقل أن يطالبوا الرسول  صلى الله عليه وسلم   بإنزال الكتاب ليقرؤوا ما فيه ويتأكدوا من صحة ذلك، إذا لم يكونوا على علم ودراية تامة بالكتاب والكتابة والقراءة. وكأنهم لم يقتنعوا بالصحف التي اتهموا الرسول باستكتابها فطلبوا كتاباً كاملاً.

الرَقّ : وقد جاء الرَقّ في قوله تعالى : { وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ، فِي رَقٍّ مَنْشُور }.

يقول الزمخشري : والرَقّ : جلد رقيق يكتب عليه، والصحيفة البيضاء. وكتاب مسطور : أي مكتتب قد سطر.

طي السجل : قال تعالى : { يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ }. مما يدل على معرفة العرب لأدوات الكتابة اللينة بحيث تطوى وتلف، لأنه لو كان أمراً غريباً لأنكروا على الرسول  صلى الله عليه وسلم   ذلك.

أي كطيه لما كتب فيه حفظاً له. والسجل للكتب : الصحيفة وفيها الكتاب. والمعنى : كطي السجل على مافيه مكتوب، أي يوم نطوي السماء كما يطوى السجل على ما فيه من الكتاب. واللام في قوله (للكتب) بمعنى (على). وقد قال الزمخشري : >السجل : وهو الصحيفة، أي : كما يطوى الطومار (الصحيفة، جمعه طوامير، والتطمير : الطَّيّ)، للكتابة، أي : ليكتب فيه، للمكتوبات، أي : لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة.

يقول الإمام الشوكاني : أي : كطي السجل كائناً للكتب أو صفة له، أي : الكائن للكتب فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب فيها فسجلها بعض أجزائها وبه يتعلق الطي حقيقة ... أو : كما يطوى الطومار للكتابة أي : ليكتب فيه أو لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة.

القرطاس : وقد وردت لفظة القرطاس في قوله تعالى : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ }.

فهذا النص يلهم أن الكتابة على القرطاس وكون الكتب مؤلفة من قراطيس هو الشيء المألوف الذي لم يكن ليتصور غيره.

تقول العرب : قِرطاس وقُرطاس وقَرطاس، ثلاث لغات. وقِرْطَس وقَراطِس، مثل : دِرْهَم ودَرَاهِم.

يقول محمد رشيد رضا : >الكتاب في الأصل مصدر كالكتابة ويستعمل غالباً بمعنى المكتوب فيطلق على الصحيفة المكتوبة، وعلى مجموعة الصحف في مقصد واحد، والقرطاس بكسر القاف (وتفتح وتضم) الورق الذي يكتب فيه. وقيل هو مخصوص بالمكتوب منه.

والقرطاس : الصحيفة يُكتب فيها تكون من ورق وكاغد وغيرهما، وهي بكسر القاف وضمها والفصيح الكسر ... ولا يقال : قرطاس إلا إذا كان مكتوباً، وإلا فهو طرس ـ الصحيفة التي محيت ثم كتبت ـ وكاغد.

الكتاب : ويقال إن : أول تسمية للقرآن على أنه كتاب، وردت في السورة الثامنة والثلاثين من النزول وهي (الأعراف) ـ وهي من السور المكية ـ ... فلم يُسم ـ القرآن ـ في أول أمره كتاباً، بل قرآناً، أي كلاماً يتلى بعد التلقين، ثم وصف هذا المتلو بأنه ذكر وتنزيل و ... إلخ. ولما أصبح النازل منه كثرة يصح أن يكون كتاباً سمِّي كتاباً، ثم اندمجت المعاني ببعضها فاكتسبت الصفات والمصادر معنًى مفهوماً واحداً، وأصبحت تعني شيئاً واحداً، فالقرآن هو الكتاب، وهو الذكر وهو التنزيل، وهو الفرقان، والعكس بالعكس. فمن الآيات التي أطلقت فيها الكتاب على القرآن قوله تعالى : { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ }. والآية مكية، ومعلوم أن المس يكون لشيء مادي محسوس مكتوب، ـ وقد سبق بيان ما المقصود من الكتاب في الأصل عند العرب ـ، وإلا فلو كان عبارةً عن تلاوة فقط، لما تطلب الأمر هذا النهي.

يقول دروزة : >فهذه الآيات وتلك وإن كانت تشير إلى صلة القرآن &